الغزالي

197

إحياء علوم الدين

الجنّة « قيل وما اخلاصه ؟ قال » أن يحرزه عمّا حرّم الله « وقال أيضا » ما آمن بالقرءان من استحلّ محارمه « ومن علم أن هذه الأمور قادحة في ايمانه ، وان ايمانه رأس ماله في تجارته في الآخرة ، لم يضيع رأس ماله المعد لعمر لا آخر له ، بسبب ربح ينتفع به أياما معدودة وعن بعض التابعين أنه قال ، لو دخلت الجامع وهو غاص بأهله ، وقيل لي من خير هؤلاء ؟ لقلت من أنصحهم لهم ؟ فإذا قالوا هذا ، قلت هو خيرهم . ولو قيل لي من شرهم ؟ قلت من أغشهم لهم ؟ فإذا قيل هذا ، قلت هو شرهم والغش حرام في البيوع والصنائع جميعا . ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه . بل ينبغي أن يحسن الصنعة ويحكمها ثم يبين عيبها ان كان فيها عيب . فبذلك يتخلص . وسأل رجل حذاء بن سالم فقال ، كيف لي أن أسلم في بيع النعال ؟ فقال اجعل الوجهين سواء ، ولا تفضل اليمنى على الأخرى ، وجوّد الحشو ، وليكن شيئا واحدا تاما ، وقارب بين الخرز ، ولا تطبق إحدى النعلين على الأخرى . ومن هذا الفن ما سئل عنه أحمد بن حنبل رحمه الله من الرفو بحيث لا يتبين ، قال لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه ، وانما يحل للرفاء إذا علم أنه يظهره ، أو أنه لا يريده للبيع فان قلت : فلا تتم المعاملة مهما وجب على الإنسان أن يذكر عيوب المبيع فأقول : ليس كذلك . إذ شرط التاجر أن لا يشترى للبيع إلا الجيد الذي يرتضيه لنفسه لو أمسكه ثم يقنع في بيعه بربح يسير ، فيبارك الله له فيه ، ولا يحتاج إلى تلبيس . وانما تعذر هذا لأنهم لا يقنعون بالربح اليسير ، وليس يسلم الكثير إلا بتلبس . فمن تعود هذا لم يستر المعيب ، فان وقع في يده معيب نادرا فليذكره ، وليقنع بقيمته . باع ابن سيرين شاة ، فقال للمشتري ، أبرأ إليك من عيب فيها انها تقلب العلف برجلها . وباع الحسن بن صالح جارية ، فقال للمشتري ، انها تنخمت مرة عندنا دما . فهكذا كانت سيرة أهل الدين ، فمن لا يقدر عليه فليترك المعاملة ، أو ليوطن نفسه على عذاب الآخرة . ( الثالث ) أن لا يكتم في المقدار شيئا ، وذلك بتعديل الميزان والاحتياط فيه . وفي الكيل